حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

115

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة في قوله يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ الناس : 5 ، 6 ] روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون : من هذا ؟ قال : إبليس ولو كنت إلها ما جهلت . فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شرا مني ومنك ؟ قال : نعم ، الحاسد ، وبالحسد وقعت فيما وقعت . ثم نقول : الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية ، والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة ، بيان ذلك من عرف اللّه تباعد عنه شيطان الهوى أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا هواك . ومن عرف أنه رحمن لم يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [ الفرقان : 26 ] ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها بالأفعال البهيمية . وأما الفاتحة فإذا قال « الحمد للّه » فقد شكر اللّه واكتفى بالحاصل فزالت شهوته ، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد ، ومن عرف أنه « مالك يوم الدين » بعد أن عرف إنه « الرحمن الرحيم » زال غضبه ، ومن قال : « إياك نعبد وإياك نستعين » زال كبره بالأول وعجبه بالثاني ، وإذا قال « اهدنا الصراط المستقيم » اندفع عنه شيطان الهوى ، وإذا قال « صراط الذين أنعمت عليهم » زال عنه كفره ، وإذا قال « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » اندفعت بدعته ، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد ، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة ، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة . وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها ، كأنه قال : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس ، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس ، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس . المنهج الثالث : في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في معرفة المبدأ والوسط والمعاد « الحمد للّه » إشارة إلى إثبات الصانع المختار العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم . « رب العالمين » يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه ، ولهذا جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيرا قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 26 ] اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [ العلق : 1 ، 2 ] وهذه الحالة كما أنها